ابراهيم بن عمر البقاعي
518
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
عوف في قباء بينها وبين القرية التي كان رسول اللّه نازلا بها نحو ميلين ، فمشى الكل مشيا ولم يركب إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يقاتلوا بها قتالا بعد ، فلذلك جعلها اللّه فيئا ولم يجعلها غنيمة ، فهي تقسم قسمة الفيء ، لا قسمة الغنيمة ، فخمسها لأهل خمس الغنيمة وهم الأصناف الخمسة المذكورون في الآية التي بعدها ، وما فضل فهو الأربعة الأخماس له صلّى اللّه عليه وسلّم مضمومة إلى ما حازه من خمس الخمس . ولما كان معنى هذا : فما كان التسليط بكم ، استدرك بقوله : وَلكِنَّ اللَّهَ أي الذي له العز كله فلا كفوء له يُسَلِّطُ رُسُلَهُ أي له هذه السنة في كل زمن عَلى مَنْ يَشاءُ بجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعبا في قلوب أعدائه ، فهو الذي سلط رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم على هؤلاء بأن ألقى في روعه الشريف أن يذهب إليهم فيسألهم الإعانة في دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري رضي اللّه عنه خطأ ، فلما جلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جانب بيت من بيوتهم ، وكانوا موادعين له صلّى اللّه عليه وسلّم نقضوا عهدهم خفية مكرا منهم بعد أن رحبوا به ووعدوه الإعانة وأمروا أحدهم أن يرمي عليه من فوق السطح صخرة لتقتله ، فأعلمه اللّه بهذا فدهب وترك أصحابه هناك حتى لحقوا به ، وهذا بعد ما كان حيي فعل من قدومه مكة وندبه لقريش إلى حرب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومعاقدته لهم على أن يكون معهم عليه عليه الصلاة والسّلام ، وإعلام اللّه بذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأرسل إليهم بعد ما أصبح أنكم قد خنتم اللّه ورسوله ، فأردتم أن تفعلوا كذا ، وأن الأرض للّه ورسوله ، فأخرجوا منها وقد أجلتكم عشرا ، فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون ودس إليهم ابن أبي ومن معه من المنافقين أنهم معهم في الشدة والرخاء لا يسلمونهم ، وقال ابن أبي : معي ألفان من قومي وغيرهم من العرب يدخلون حصنكم فيموتون من عند آخرهم ، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان فطمع حيي بن أخطب في ذلك فأرسل إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك ، فقصدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المؤمنين يحمل رايته علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فصلى العصر بفنائهم بعد أن استعمل على المدينة ابن أم مكتوم رضي اللّه عنه وأقام عليهم ست ليال وهم متحصنون ، فقطع من نخلهم وحرق فنادوه أن قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بالك تقطع النخل ، وتربصوا نصر ابن أبي ومن معه على ما قالوا فلم يفوا لهم ، فألقى اللّه الرعب في قلوبهم فأرسلوا بالإجابة ، فقال : لا إلا أن يكون لي سلاحكم وما لم تقدروا على حمله على إبلكم من أموالكم ، فتوقفوا ثم أجابوا فحملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل إلا الحلقة ، وذهبوا على ستمائة بعير ، وأظهروا الحلي والحلل وأبدى نساؤهم زينتهن فلحق بعضهم بخيبر وبعضهم بالشام وخلوا الأموال والحلقة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يسلم منهم إلا